فصل: تفسير الآيات (148- 149):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (144- 147):

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147)}.
التفسير:
وإنه بعد أن كشف اللّه سبحانه وتعالى للمؤمنين هذه الوجوه المنكرة للمنافقين وأطلعهم على هذا المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه.. فقد جاء سبحانه وتعالى إلى المؤمنين يحذّرهم هؤلاء المنافقين، حتى لا يصيبهم ما أصابهم وسيصيبهم من ذلة وهوان في الدنيا، وعذاب ونكال في الآخرة.
وموالاة المنافقين، والميل إليهم، هو في الواقع معاداة للمؤمنين ومجافاة لهم.. وهذا من شأنه أن يخلط المؤمنين الذين يوالون المنافقين بأهل النفاق، ويضيفهم إليهم، وهذا من شأنه أيضا أن يعرضّهم لما تعرض له المنافقون من سخط اللّه ونقمته، دون أن تكون لهم عند اللّه حجة، أو يقوم لهم بين يدى عذابه ونقمته عذر يعتذرون به! وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} هو كشف للمؤمنين عن هول هذا العذاب الذي يلاقيه المنافقون، وأنهم في الدرك لأسفل من النار، ينزلون منها للنزل الدّون، الذي بعده منزلة، الأئمة والكافرين! وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} هو استثناء يفتح به باب الأمل والرجاء في النجاة من هذا المصير، لمن بقيت منه في كيان المنافقين بقية من خير، يستطيع بها أن يفتح له طاقة من نور يهتدى بها إلى طريق اللّه، فيرجع إليه، ويؤمن به، ويخلص دينه له، فلا يرجع إلى ما كان فيه مرة أخرى.. فإنه إن فعل كان في المؤمنين، وكان له ما للمؤمنين من الأجر العظيم الذي وعدهم اللّه به: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً}.
وقوله تعالى: {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} إشارة إلى ما للناس عند اللّه من واسع الرحمة وعظيم المغفرة، وأنه سبحانه وتعالى ليس إلها متسلطا جبارا يتشفىّ بعذاب عباده.. وكيف هذا وهم صنعة يده، وزرع مشيئته، وغذىّ فضله وإحسانه؟
إنه- سبحانه- يدعو عباده إليه، وييسر لهم سبل الاتصال به، والقرب منه، ولكن من غلبت عليه شقوته منهم- يأبى إلا أن يشرد عن اللّه، ثم يتمادى في هذا الشرود، فيحارب اللّه، ويحارب أولياءه، ويقطع ما أمر اللّه به أن يوصل! فإذا أخذ هؤلاء الشاردون عن اللّه، المحاربون له، بذنوبهم، وسيقوا إلى عذاب جهنم- فهل ذلك إلا لأنهم أساءوا فوقعوا تحت حكم المسيئين؟.. ولو أنهم أحسنوا لكان لهم جزاء المحسنين.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [31: النجم] وفى تقديم الشكر على الإيمان هنا.. {إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} إشعار بأن الإيمان لا يقوم إلا على مشاعر الولاء للّه، ذلك الولاء الذي يتخلّق من النظر في ملكوت السموات والأرض، ومن التدبر في آيات اللّه المبثوثة في كل ذرة من ذرات الوجود.. وهنا يجد العبد نفسه وقد صار لسانا شاكرا للّه مسبحا بحمده.
فالشكر هو المدخل الذي يجد فيه الإنسان طريقه إلى اللّه، والتعرف إليه.
ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى اللّه قائمة أولا على النظر إلى هذا الوجود، وإلى ما فيه من موجودات، ينتظمها نظام، وتمسك بها قدرة، ويدبرها علم.
ثم نسبة هذا الوجود وما اشتمل عليه، إلى الصانع الذي صنعه، فأبدع صنعته، وأحكم وجوده.. وبهذا تتفتح الطرق إلى اللّه، حيث يسلكها الإنسان، متجها إلى اللّه في خشوع وولاء، وفى لهج بالحمد والثناء.. ومن هنا قام الشكر مقام الإيمان، واعتبر في ذاته إيمانا كاملا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [7: الزمر] أي وإن تؤمنوا يرضه- أي يرضى الإيمان- لكم، ويتقبله منكم.
قوله تعالى: {وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً}.
وشكر اللّه، هو رضاه عن الأعمال الصالحة التي يقدمها عباده له، فيقبلها منهم، ويحسن لهم المثوبة، ويضاعف لهم الجزاء عليها.

.تفسير الآيات (148- 149):

{لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)}.
التفسير:
ليس داء أقتل للمجتمعات، ولا وباء أفسد لكيانها، وأفعل في تقويض بنيانها- من الفاحشة، تنجم فيها، ثم تتردد أصداؤها في آفاقها، وتنطلق أشباحها بين ربوعها، دون أن تجد في الناس من يتصدّى لها، ويقف في وجهها، ويدمدم على تلك الينابيع العفنة التي تتدفق منها.
فكلمة السوء تنطلق من فم سفيه، ثم تجد المرعى الخطيب في آذان تستقبلها وقلوب تتفتّح لها، وأفواه ترددها- هذه الكلمة هي لعنة تلبس كل من أخذها، وتعامل بها.
وفعلة السوء.. هي كلمة السوء مجسّدة.. يلقاها الناس بعيونهم، على حين يلقون الكلمة بآذانهم.
والناس هم الذين يفسحون لكلمات السوء، وفعلات السوء مكانا بينهم، فتتوالد فيهم وتتكائر، وتصبح بعض وجودهم، وقد تستولى يوما على وجودهم كله.. ذلك حين يستقبلونها، ولا ينكرون ولا يضربون على أيدى المتعاملين بها.
والناس- كذلك- هم الذين يئدون كلمات السوء في مهدها، ويخنقونها قبل أن تتنفس أنفاس الحياة في أجوائهم.. إذا هم أنكروها، وأنكروا أصحابها فيهم، وأخذوهم بالأدب الذي يردعهم ويردّهم عما هم فيه من ضلال!
وفى أثر القدوة الحسنة، والقدوة السيئة، في بناء المجتمع، أو هدمه، يذيع النبيّ الكريم هذا الهدى الرباني، ليكون دستورا يعيش فيه الناس، وميزانا يضبطون عليه مناهجهم في القول والعمل.. يقول الرسول الكريم: «من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
وصدق رسول اللّه، الذي حلّاه ربه بهذا الوصف الكريم: {ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى} [2- 3: النجم].
فكم كلمة سوء، يرمى بها- عن قصد أو غفلة- فإذا هي شرر متطاير، بين يدى ريح عاصفة، يعلق بأذيال حصيد هشيم، ثم لا تلبث حتى تصير لهيبا يلتهم كل شيء، ويأتى على كل شيء! أتريد شاهدا لهذا؟ إليك إذن هذه الكلمة:
لا حكم إلا للّه.
إنها من الكلمات القليلة التي دارت في الحياة دورة كانت أشبه بإعصار مجنون، لفّ الناس تحت جناحه، ثم ألقى بهم من حالق، فإذا هم في وجه فتنة عمياء، أهلكت الحرث والنسل.
وليس في الكلمة علوّ في البلاغة، ولا بدع في الصياغة، ولا طرافة في الأداء، بل هي في تركيبها أقرب إلى المألوف الدارج من الكلام، منها إلى الطريف النادر! ثم إنها من جهة أخرى- ليست من الكلمات التي تخدش الحياء، أو تمسّ الدين.. بل هى- في ظاهرها- كلمة حق، يمكن أن تكون على لسان العابدين المسبّحين!
ومع هذا، فإن تلك الكلمة كانت أشأم كلمة ولدت في الإسلام، وجرت على ألسنة المسلمين.!
والتاريخ المعروف لميلاد تلك الكلمة، هو السنة السابعة والثلاثون من الهجرة، حين تمّ التصالح بين علىّ ومعاوية على التحكيم، بعد أن ذهبت الحرب بينهما في صفّين بألوف الأرواح من المسلمين.
وقد تكون هذه الكلمة جرت على ألسنة كثيرة قبل هذا التاريخ، ولكنها لم تكن تعيش طويلا، أو تتحرك في مجال أكثر من دائرة الشخص الذي نطق بها.
أما ظهورها في هذه المرة، وفى هذا الوقت الذي سمعت فيه، فقد كان- كما قلنا- ظهورا مدويّا، ملأ الأسماع، وهزّ المشاعر، وأثار البلبلة والاضطراب.. ثم الحرب والقتال! والسرّ في هذا، هو أنها جاءت في وقتها، وظهرت في الحال الداعية إليها، فوقعت من كثير من النفوس موقع الغريق يتعلق بأى شيء يقع ليده، ولو كان مخلب أسد، أو ناب ثعبان! هكذا الكلمات والعبارات، تكبر قيمتها ويعظم خطرها، حين تكون الحاجة إليها داعية، والنفوس لها طالبة، دون نظر أو اعتبار لها في ذاتها، وفى حلاوة جرسها، وبراعة تركيبها، وغزارة معانيها.
إن لقمة، خشنة، جافة، تجيء على جوع، هي أشهى وأغلى من، مائدة جمعت ليّن الطعام وطيّبه، تجيء على شبع وامتلاء! وقد جاءت هذه الكلمة لا حكم إلا للّه إلى نفوس حائرة، فكانت دليلها، وقلوب مضطربة، فكانت أمنها وسكنها.
كان هناك مئات وألوف من أصحاب علىّ كرم اللّه وجهه، حاربوا معه ابتغاء مرضاة اللّه، وهيئوا أنفسهم للاستشهاد في سبيل اللّه، ولردّ الفئة الباغية إلى طريق الحق الذي شردت عنه.
ثم ها هم أولاء يرون دعوة إلى وقف القتال، وإلى الاحتكام إلى كتاب اللّه! ففيم كان القتال إذن؟ وما ثمن هذه الأرواح التي ذهبت؟ وتلك الدماء الغزيرة التي أريقت؟
كان كثير من أصحاب علىّ في حيرة من أمرهم في هذا الموقف، لا يدرون كيف يجدون الجواب على تلك الأسئلة المحيّرة التي تدور في صدورهم.
وقد خطبهم الإمام على وأرضى الكثير منهم بمنطقه وبلاغته، ولكن كثيرا منهم كان داء الحيرة عندهم أكبر من أن تذهب به بلاغة، الإمام ومنطقه! ولهذا، فإنه ما إن هتف الهاتف بهذه الكلمة العابرة الطائرة: لا حكم إلا للّه، حتى لقفتها الآذان، وتنادت بها الألسنة، وإذا هي راية يجتمع عليها جيش كان قد سقطت رايته، ووقع الاضطراب في صفوفه! لقد كانت هذه الكلمة هي المبدأ الذي اجتمع عليه الخوارج، وهى الراية التي قاتلوا تحتها، وهى السّمة التي كانت حجازا بينهم وبين الجماعة الإسلامية.
وأحسب أنه لولا هذه الكلمة ما استمسك أمر الخوارج، ولا انتظم شملهم، ولا اجتمعت أشتاتهم المتفرقة.. بل لظلّوا هكذا أفرادا، كلّ فرد منهم يحمل همّه في نفسه، ويعالج حيرته بالأسلوب الذي يتهيأ له.. ولكن هذه الكلمة كانت أشبه بشعلة من نار ارتفعت في الصحراء، في ليلة حالكة السواد، فاجتمع عليها كل ضال، وجاء إليها كل تائه.
إن الكلمة ليست مجرد صوت ينطلق من فم، ثم يذوب صداه في أمواج الأثير..!
بل إن الكلمة رسول مبين إلى الناس، يهتف بهم إلى العمل، ويدعوهم إلى الوجه الذي يريدهم عليه.
وما رسالات السماء، وما دعوات الرسل.. إلا كلمات.. تحمل الخير والهدى، فتثمر ما شاء اللّه أن تثمر من خير وهدى.
واللّه سبحانه وتعالى يقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ} [24- 27: إبراهيم] وفى قوله تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} أمور.. منها:
أولا: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ}.
ما دلالة نفى حبّ اللّه سبحانه وتعالى للشيء؟ أهو كراهة هذا الشيء أم تحريمه؟
ظاهر نفى الحب- بمفهوم المخالفة- هو الكره، بمعنى أن اللّه سبحانه وتعالى يكره الجهر بالسوء من القول وكره الشيء أقل درجة من تحريمه.. فقد يكره الإنسان الأمر، ثم يريد نفسه عليه، فتقبله وهى غير مقبلة عليه، وليس كذلك إذا كان شعوره نحو هذا الشيء هو شعور تحريم.. إنه لا يقبل عليه إلا مكرها أو مضطرا! والسوء من القول، قد يبلغ مبلغ الفاحشة، واللّه سبحانه وتعالى قد حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. إذ يقول سبحانه: {قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [23: الأعراف] فكيف يجيء النهى عن الجهر بالسوء من القول في صورة الكره له، ووضعه موضع الشيء غير المحبوب؟ والمتوقع أن يجيء النهي عنه، في صورة جازمة قاطعة.. فكيف هذا؟ وما تأويله.
والجواب: هو أن نفى حب اللّه عن الشيء، يكفى في تجريم هذا الشيء وتحريمه.. وقد حرّم اللّه سبحانه وتعالى المنكرات، بأن سلبها حبه لها، ورضاه عنها.. فقال سبحانه وتعالى في تحريم الفساد {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} [205: البقرة].
وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ} [58: الأنفال] وقال: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ} [45: الروم] وقال تعالى: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [40: الشورى].. فهذه المنكرات، من الفساد، والخيانة، والكفر، والظلم، هي مما لا يحبها اللّه، ولا يحبّ مرتكبها.
فسلب حبّ اللّه سبحانه للشيء، ورضاه عنه، يضعه موضع المنكر، المعزول عن ألطاف اللّه، وعن مواقع رضوانه.. وهذا يكفى في تجنب هذا الشيء، ومحاذرة التلبّس به، واعتباره من المنكر المحرّم.
ومن جهة أخرى، فإن القول نعمة من النعم الكبرى، التي فضل اللّه بها على الإنسان، فهو أشبه بالهواء والماء، لا يستغنى عنه فرد أو جماعة، في حال أبدا.. ومن شأن هذه النعمة العامة الشاملة أن تكون مطلقة، مباحة، إطلاق الهواء والماء وإباحتهما.
فلو أنه أقيم على هذه النعمة قيود محكمة، وحواجز مصمتة، لكان في ذلك ما يذهب بكثير من خير هذه النعمة، ويكدّر مواردها الصافية أو يعطلها.
لهذا، كان من حكمة الحكيم العليم، أن يقيم على تلك النعمة العظمى- نعمة الكلام- إشارة تنبيه، تحذّر الناس وهم يستقون من موارد القول ويتنفسون في أجوائه، أن يأخذوا حاجتهم، وأن يمسكوا عما لا حاجة لهم به، ولا خير لهم فيه، وإلا كان الخطر، والضرر.. فما أكثر الذين يموتون بالماء، غصصا أو غرقا.. وما أكثر الذين يموتون بالهواء صعقا أو خنقّا.
وثانيا قوله تعالى: {الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} لم كان الكره واقعا على الجهر بالسوء؟.. فهل السرّ بالسوء مباح؟ وهل له حساب غير حساب الجهر..؟
والجواب على هذا، هو أن الجهر بالسوء من القول هو الذي له كيان ظاهر، يؤثّر في الناس، ويتأثر به الناس.. ومن هنا كان خطره، وكان الحظر المتسلّط عليه وحده دون السرّ به.
فالسرّ بالسوء من القول- وإن كان شيئا كريها قبيحا- إلا أنه عورة مستورة، يمسكها الإنسان، على خوف أو استحياء.. وهذا من شأنه أن يعزل شرّ هذا الشرّ عن الناس.. ثم إنه من جهة أخرى لا يقوم في كيان الإنسان إلا مقاما قلقا مضطربا، وفى هذا ما يؤذن بانصراف الإنسان عنه، والتخلّص منه.. وليس كذلك شأن السوء حين يفلت من كيان الإنسان، فيطلقه صريحا عريانا بين الناس.. حيث لا سبيل إلى إمساكه ودفع خطره بعد هذا.
لهذا كان {الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} هو الداء الذي يخشى خطره، ومن ثمّ كان التنبيه إليه، والتحذير منه.
وثالثا: قوله تعالى: {مِنَ الْقَوْلِ}.
والسؤال هنا: لم كان التحذير موجها إلى خطر السوء.. {مِنَ الْقَوْلِ} دون السوء من الفعل؟ وهل المعالنة بالأفعال السيئة، والجهر بالفواحش أقل خطرا من المعالنة بكلمة السوء والجهر بها؟
والجواب: أن السوء من القول أكثر دورانا على الألسنة، وأخف مئونة على الحياء، وأقل حرجا على الخلق والدين.. هكذا.. يبدو الأمر الواقع.
فالإنسان الذي لا يتحرج من كلمة السوء يقولها، ولا يستحى من كلمة الفحش ينطق بها- هذا الإنسان ما أكثر ما يغلبه حياؤه، وتمنعه مروءته أو دينه من يحوّل كلمة السوء إلى فعل، ويجسد كلمة الفحش إلى عمل.. ثم يجاهر بهذا الفعل، ويعالن بهذا السوء.
ومن هنا كان الحظر الذي فرضه الإسلام على الجهر بكلمة السوء هو حجر ضمنى على فعلة السوء، وسدّ للذرائع إليها..!
ورابعا: قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}.
هو رفع لهذا الحظر المضروب على الجهر بالسوء.
فالمظلوم مقهور مغلوب على أمره، بهذا السلطان المتسلط عليه من ظالمه.
وقد أذن اللّه للمظلوم أن ينتصف من ظالمه بما يقدر عليه، في حدود العدل والإحسان.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [41: الشورى].
فإذا رأى المظلوم أن التشنيع على الظالم، وكشف مساوئه للناس مما يعينه عليه، ويأخذ له بحقه منه- فذلك له، ولا حرج عليه فيه، وقد أذن اللّه للمسلمين بالقتال ليدفعوا الظلم الذي كان يساق إليهم، إذ يقول سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وقد روى أن رجلا أنى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فقال: إن لى جارا يؤذينى، فقال له: «أخرج متاعك فضعه على الطريق»! فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكلّ من مرّ به قال: مالك؟ قال: جارى يؤذينى.
فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه. فقال الرجل- أي الجار-: ارجع إلى منزلك، واللّه لا أوذيك أبدا.
وخامسا: قوله تعالى: {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} هو دعوة للمظلوم إلى التخفف من الجهر بالسوء من القول، وإلى القصد فيه، والوقوف به عند أضيق الحدود من الجهر.. فاللّه سبحانه وتعالى سميع أي قد سمع شكاة المظلوم، وسينتصر له.. فلا حاجة إلى هذا الصراخ بهذا القول السيّء.
لأنه- على أي حال- موسوم بسمة السوء، ومن الخير تجنّبه، أو القصد فيه، إن لم يكن من المستطاع تجنبه.. وهو سبحانه وتعالى: بصير لا تخفى عليه خافية.. مما صرح به الإنسان أو أمسكه في ضميره، عالم بما فعله من سوء فرآه الناس، أو غاب عنهم.
وقوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً} تفرقة بين الخير والشر- وأن الخير هو الخير، على أي وجه جاء عليه.. سرّا أو جهرا، أبداه فاعله أو أخفاه.
{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [271: البقرة].
وفى عطف قوله تعالى: {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} على ما قبله، من فعل الخير- إشارة إلى أن العفو عن سيئات المسيئين هو من باب الخير، يجزى اللّه عليه كما يجزى على الإحسان وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً} هو دعوة إلى التسامح والعفو عمن أساء واعتدى.. فذلك هو الذي يخمد نار الفتن، ويقتلع جذور العداوة والشحناء بين الناس.. {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى} [237: البقرة] {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [43: الشورى] فاللّه سبحانه وتعالى مع قدرته على أخذ المسيئين بإساءاتهم.. يعفو، ويحلم، ويغفر.. هذا وليس تسلط العفو والمغفرة في قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً} على العفو عن السوء في قوله سبحانه: {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} ليس في هذا ما يحجز فعل الخير في قوله سبحانه: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ} عن نصيبه من عائد عفو اللّه وقدرته.. فإن عفوه سبحانه يعود إلى أهل الخير فيجاوز عن سيئاتهم، ويغفر لهم من ذنوبهم، جزاء ما فعلوا من خير في سر أو جهر.. وقدرة اللّه لا يعجزها شيء فهو- سبحانه- قادر على أن يبدل سيئات المسيئين حسنات، إذا هم أحسنوا، وكانوا مؤمنين.